<
الرئيسية » مقالات » ظاهرة الانتحار عند اليابانيين

ظاهرة الانتحار عند اليابانيين

ظاهرة الانتحار عند اليابانيين

وفقـــًا للعقيدة الشنتوية لا جزاء ولا حساب، ولا ثواب ولا عقاب، فبمجرد مفارقة الروح للجسد، فالجسد انتهى إلى الأبد، أما الروح فإنها ترجع إلى الطبيعة مرة أخرى، كما أن الروح بعدما تفارق الجسد فإنها تحيا في عالم الأموات، حيث إن هذا العالم يوجد به آلهة وجنود وأناس يعيشون حياتهم الأخرى بعد الموت.

يقول صاحب كتاب اليابانيون (ولأن المحرمات الدينية ضد الانتحار كانت تنقصهم فقد كانوا يفضلون عمومــًا التخلص من حياتهم عند الهزيمة رافضين الذل أو احتمال التعذيب في حالة الأسر.

والإنسان في الشنتوية يبحث عن السعادة في هذه الحياة، فهو لا يعتقد بوجود الآخرة بالمعني المعروف بما فيه من جزاء وجنة ونار وثواب وعقاب، ولذلك إذا تعرض لضغط أو إهانة أو فشل، فإنه لا يبالي أن يتخلص من حياته عن طريق الانتحار.

هل يعد الانتحار عقيدة أم نظامــًا اجتماعيـــًا

الانتحار في حد ذاته عقيدة، لكن لا يمكن أن نجعله جزءًا من العقيدة الشنتوية، لأن الانتحار ليس أصيلاً في الشنتوية، لأن من أدخل الانتحار في الشنتوية الطبقة العسكرية الحاكمة في اليابان، وخصوصــًا عند التعرض للهزيمة في الحروب، كما جعلته الطبقة العسكرية الحاكمة قربانــًا يتقدم به الشعب إلي الحاكم عند وفاته.

كما أن الانتحار هو جزء من النظام الاجتماعي في اليابان، يتقرب به الشنتوي والبوذي والكونفوشيوسي وغيرهم من الديانات، ولذلك فهو أقرب للنظام الاجتماعي منه إلى العقيدة.

كما أن المجتمع الياباني ينظر إلى المنتحر نظرة إجلال واحترام (ويتقبل المجتمع الياباني عملية الانتحار بمشاعر لا تخلو من تقدير وإعجاب وفهم وإشفاق الشنتو ولا تدين الانتحار ولا تجرمه ففي الحرب العالمية الثانية توجه طيار ياباني إلى باخرة حربية معادية ليضمن تدميرها تمامــًا، وهو يعلم أنه سيدفع حياته ثمنـــًا لذلك، وقام عدد من المواطنين بقتل أنفسهم عقب استسلام الإمبراطور الياباني).

ولذا فإن الشنتوية لا تحرم الانتحار، بل (كان فن بقر البطن بمثابة الطقوس الدينية في عقيدة الشنتو، بل في طليعة ما يدرسه الشباب السامورايون) ([1]).

وأفضل الطرق للانتحار هو بطريقة الهاراكيري (ومعناه الانتحار بإخراج الأمعاء. والحالات التي تقتضي من الرجل منهم أن ينتحر على هذا الوجه كثيرة … فإذا حكم بالموت على رجل من ذوي المكانة البارزة سمح له بأن يبقر بطنه بنفسه من اليسار إلى اليمين ثم يشقها إلى أسفل، مستخدمــًا في ذلك سيفه الصغير الذي كان الواحد منهم يصطحبه دائمـًا أينما ذهب خارج بيته. وإذا هزم أحدهم في القتال أو اضطر إلى الاستسلام لعدوه، كان من حقه أن يبقر بطنه ويخرج أمعاءه بطريقة (الهاراكيري)، وإذا لقى الواحد منهم إساءة من سيده، فإنه إذا كان محاربـــًا أصيلًا يهلك حياته بالانتحار عند باب ذلك السيد).

ولا يستطيع الإنسان أن يكمل الانتحار بطريقة الهاراكيري، ولذلك يحتاج إلى المساعدة، بل إن من يساعده في إكمال هذه الطريقة يعد من الأصدقاء الأوفياء.

وعلى هذا فإن آخر علامات المودة: (التي يبديها الصديق لصديقه أن يقف إلى جانبه ليجز له رأسه فيفصلها عن جسده، بعد أن يكون ذلك الصديق قد بقر بطن نفسه بيده، من هذا التدريب وما أحاط به من تقاليد نشأ بعض ما يتصف به الجندي الياباني من عدم الخوف من الموت).

كانت الهاراكيري: (وقفـــًا على الرجال دون النساء.. فقد كانت الهاراكيري محرمة على النساء والسوقة. ولكن سمح للنساء إذا أصابتهن إساءة بنوع آخر من الانتحار.. وهو بأن يقطعن رقابهن بالخناجر وأن يقطعن الشرايين بضربة واحدة.. وكانت المرأة ذات المركز الاجتماعي الكبير تتلقى تدريبـــًا على عملية جز الرقبة.. وتتعلم كيف تربط ساقيها قبل قتل نفسها خشية أن تقع الأبصار على جثتها وهى في وضع لا يتفق مع ما تقتضيه العفة…!).

وهذه الطريقة قد يمن بها الإمبراطور على بعض من حكم عليهم بالإعدام وذلك تقديرًا لهم.

(فإذا حكم بالموت على رجل من ذوي المكانة الاجتماعية، سُمــح له – إذا أراد الإمبراطور أن يدل على تقديره له – بأن يبقر بطنه بنفسه من اليسار إلى اليمين، ثم يشقها إلى أسفل … فكلمة هاراكيري معناها شق البطن وهي كلمة سوقية قلما ينطق بها الياباني، إذ هم يفضلون كلمة “سپيوكو” أي بقر البطن انتحارًا).

كما أن الانتحار لا يقتصر على من تعرض للأسر في يد الأعداء، وتعرض للهزيمة، أو إهانة أو من حكم عليه بالإعدام وما شابه ذلك، بل إن الانتحار يمتد إلى أكثر من ذلك بكثير.

(إذا أخفق الابن في دراسته، فإن الأم بصفتها هي المسئولة عن متابعة تعليمه تعتبر مقصرة في واجباتها، أو ترى أنها أخطأت في حق المجتمع، وقد تلجأ إلى الانتحار تكفيرًا عن هذه الخطيئة.

الزوج أو الأب الذي أدمن المخدرات أو المسكرات وجلب العار على أسرته، فإن من واجبه الانتحار اعتذارًا لأسرته ولمجتمعه عما ألحقه بهما من عار.

ومن الحوادث الغريبة التي روت الصحف اليابانية وقائعها: (أن طفلًا ضبط وهو يسرق، وسلمته الشرطة لوالده بعد التحقيق قام الأب في المنزل بقتل طفله. وترك خطابـًا يشرح فيه دوافعه، فقد قتل الطفل لأنه أخطأ في حق المجتمع بارتكابه جريمة السرقة، وجلب أيضـًا على أسرته العار ثم انتحر الأب تكفيرًا عن ذنبه لقتل ابنه، وسدادًا لحق المجتمع في القصاص من القاتل).

كما يكثر الانتحار: (عند موت الإمبراطور، وذلك لمرافقته في حياته بعد الموت، ولكي يحميه المنتحر في الحياة الآخرة).

وإذا فشل الطالب في الامتحان فإنه يلجأ إلى الانتحار (وعادة تزيد نسبة الانتحار في أعقاب ظهور نتائج الامتحانات خاصة بالنسبة للمراهقين والمراهقات، ويغلب أن يكون الانتحار بعيدًا عن المنزل، وغالبـًا ما يكون من أعلى عمارة مرتفعة. يترك المنتحرون –غالبـًا– خطابـًا يشرحون فيه دوافع الانتحار، ويقدمون الاعتذار والصفح للأسرة أو للشخص الذي أصابه ضرر. فإن لم تعثر سلطات التحقيق على خطاب من المنتحر في محل الحادث، فإن هناك قرينة تصل إلى حد اليقين لبيان ما إذا كانت الواقعة انتحارًا أم جريمة بفعل فاعل. هذه القرينة هي وضع فردتي الحذاء مكان الانتحار، ونظرًا لأن الانتحار عند اليابانيين يعتبر وسيلة للتطهير، فمن القواعد الأساسية الواجب مراعاتها ضرورة خلع الحذاءـ لأنه ملوث).

ولذلك ارتفعت نسبة الانتحار في بعض الأماكن لدرجة أنها أقلقت الحكومة، وحاولوا بكل الطرق إيقاف عملية الانتحار ولكن بلا فائدة، إلا أنهم اهتدوا إلى طريقة قضت على الانتحار.

يقول صاحب كتاب اليابان العادات والتقاليد وإدمان التفوق (لاحظ المسئولون في طوكيو أخيرًا ارتفاع نسبة الانتحار في أحد الأحياء السكنية، وذلك بالقفز من أعلى المباني، وفشلت كل الوسائل المعتادة للقضاء على هذه الظاهرة.

قرر رهبان الشنتو وجود بعض الأرواح المشاغبة([2]) في المنطقة وجرى تهدئتها بعمل احتفال ديني صغير بالمنطقة، وقام الراهب ببعض التلاوات الدينية ثم استخدم عودًا أخضر من النبات معلق به شرائط وهو يردد أدعيته، وفعلًا انعدمت حالات الانتحار- كما قيل.

كذلك وتستخدم: (نفس الطريقة لمباركة أي مبنى جديد، أو سيارة حديثة، وذلك بهدف أن يطرد بعيدًا عنها الملوثات الروحية أو “الأرواح الشريرة”.

وهكذا يستطيع الإنسان في الشنتوية أن ينهى حياته بيده، ولكن قد ينهى حياته أيضـًا بعد أن يأخذ الثأر.

كذلك كان يسمح (بالاغتيال – كما كان يسمح بالانتحار – في ظروف معينة أن يحل محل القانون؛ فاليابان في نظامها الإقطاعي كانت تقتر في الإنفاق على رجال الشرطة، بوسائل كثيرة منها أن تجيز لابن القتيل أو أخيه أن يثأر لنفسه بدل الالتجاء إلى القانون؛ ولقد أدى هذا الاعتراف بحق الثأر إلى الحيلولة دون كثير من الجرائم، ومع ذلك فالرجل من فئة الساموراي (أي العسكريين) كان يحس عادة أن واجبه يقتضيه ارتكاب (الهاراكيري) بعد استخدامه لحقه في الثأر بنفسه من عدوه).

_____________________________________________

([1]) هم الحكام العسكريون، وحكم الساموراي اليابان من نهاية القرن الثاني عشر إلى حوالي منتصف القرن التاسع عشر (1192- 1868)، وعاش الفرسان الماهرون والمبارزون البارعون وفقـًا لقوانين البوشيدو، وتقدر هذه القوانين الشجاعة والولاء. وظل الجيش الياباني يتلقى تدريبه وفقـًا لهذه القوانين حتى النصف الأول من القرن العشرين، وفي ثلاثينيات القرن العشرين كان المجتمع بأسره يحكم وفقــًا للقانون العسكري، وبعد الحرب العالمية الثانية 1945 تغيرت اليابان تغيرًا هائلاً، حيث ظهرت كقوة اقتصادية، وأصبح الساموراي ونظامهم وطبقتهم الاجتماعية الصارمة تاريخــًا.

 ([2])وقد تأثرت في هذا الاعتقاد بالطاوية التي تمارس الشعوذة والدعاء لجلب الحظ.

الكاتب الدكتور أحمد رمضان

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*