<
الرئيسية » مقالات » التطور التاريخي للشنتوية في بلاد الوقواق (اليابان) (8) فترة الإيدو والمرأة والجانب الاجتماعي

التطور التاريخي للشنتوية في بلاد الوقواق (اليابان) (8) فترة الإيدو والمرأة والجانب الاجتماعي

فترة الإيدو Edo من عام ستمائة وألف إلي عام ثمانية وستين وثمانمائة وألف ميلاديــًا  (1600-1868) (توكوغاوا) .

        وحدث خلال فترة “إيدو” تغييرات وتطورات كبيرة وجذرية في الشنتوية سواء من الناحية الاجتماعية، والتي سيطرت الكونفوشيوسية على كثير منها، وأصبح النظام الأخلاقي للكونفوشيوسية هو السائد في اليابان، ويعتبر عصر “إيدو” هو العصر الذهبي للكونفوشيوسية وعانت كثيرًا بعد صعود الإمبراطور ميجي للحكم.

        ومن ناحية أخرى (ظهرت حركة إحياء لديانة الشنتو باعتبارها الطريقة القديمة، كما جرت محاولات عدة لتنقيتها من التأثيرات الأجنبية).

        (وعصر إيدو في القرن السابع عشر الميلادي، انحط نسبيــًا دين الشنتوية فيه، كما حصل لكل الأديان الأخرى بسبب الأوضاع الاجتماعية والحربية والثورية، فإن اتجاه الجهود الشنتوية بعد تحقيق السلام في عصر إيدو كان واضحــًا، ولم تكن هناك جهة أخرى منافسة، ولقد حاول علماء الشنتوية أولاً إعادة حيويتها عن طريق تنسيق عقائدها مع تعليم الدين الحيوي حينذاك أي “الكونفوشيوسية” فهي دين يركز على ناحية التعليم الأخلاقي، وعلماء الشنتوية عملوا على إدخال هذه الناحية إلى تعليمهم، إن هذا التمازج مع الكونفوشيوسية كون طائفة جديدة تسمى سويكا Suika وهذه الطائفة انتشرت انتشارًا واسعـــًا بين الشعب عامة؛ لأنها كانت مناسبة للتطبيق على التعاليم اليومية والعملية ، وطبقة التجار أيضـًا شددت على تعليم أولادهم من خلال هذه الطائفة، وطبعــًا طبقة القادة السياسية أي جماعة المصارعين اعترفت بهذا الميل الجديد؛ لأنه مفيد بلا شك لتثبيت السلطة واستقرار الحكم).

        ففي هذا العصر حدث الاندماج النسبي بين الشنتوية والكونفوشيوسية؛ لأن الكونفوشيوسية كانت هي المعترف بها من قبل الحكام، وهذا هو التطور الثاني والتداخل الثاني بين الشنتوية والكونفوشيوسية، فالشنتوية في الماضي اندمجت مع البوذية، وفي عصر إيدو كان الحكام يولون اهتمامهم بمبادئ وأخلاق الكونفوشيوسية فتأثرت الشنتوية في نواحي كثيرة منها الناحية الاجتماعية.

        الجانب الاجتماعي في عصر إيدو وتأثره بالكونفوشيوسية:

        (في عصر توكوغاوا كانت العلاقة الأسرية منظمة في إطار وحدة أولية تعرف بـ ” أيي” Ie.، وهي وحدة كانت تشكل أساس التنظيم المجتمعي، وككل المصطلحات اليابانية، يصعب إيجاد ترجمة تفي بالمقصود بـ “أيي”، والمقصود تقريبـًا بـ “أيي” أي: مجموعة الأفراد الذين يستقرون في منزل واحد ويشتركون في مصدر اقتصادي واحد، ويكونون مسؤولين كوحدة عن أداء الجباية فيما يخص فئة الفلاحين، ولا يعرف بالضبط متى أصبحت أيي وحدة أساسية في تنظيم المجتمع الياباني، فقيل: بدأ ظهورها في أواخر عصر هيان في القرن الثالث عشر. ولم تأخذ شكلها النهائي إلا في عصر موروماتشي، إلا أنها أصبحت ذات أهمية خاصة في مجتمع توكوغاوا بسبب التنظيمات الإجرائية في أواخر القرن السادس عشر، وأول القرن السابع عشر، والتي جرى بموجبها تعميم تنظيم “أيي” على جميع مكونات المجتمع الياباني).

        وعلى ذلك فإن تنظيم “أيي” كان موجودًا قبل عصر “إيدو” وكانت هناك صور أخرى له مثل “يوجي جاما” وهو نظام الأسرة أو العائلة في اليابان، والذي يتيح لرب الأسرة السيطرة والطاعة على كل أفراد الأسرة.

        لكن ما ظهر جديدًا في نظام “أيي” هو الترابط والذي لم يكن فيه شرط أن يكون المنضوون تحته من عائلة واحدة، بعكس “يوجي جاما”، حيث كان المنضوون تحت “يوجي جاما” أسرة واحدة أو عائلة بأكملها، أما “أيي” فليس شرط أن يكونوا من عائلة واحدة.

(لم تكن “أيي” وحدة ترتبط بصلة القرابة الدموية فحسب، أو تقام على أساس القرابة وحدها، بل كانت وحدة اقتصادية أيضــًا، وربما اعتبرت الرابطة الاقتصادية أهم من لحمة القرابة الدموية في استمرارها، وكان هناك حرص شديد على استمرار “أيي” في المجتمع وذلك لسببين: الاقتصادي والديني، وقد نجم من هذا الحرص عدم تقسيم الإرث بين الأبناء، وشيوع التبني، وكان الميراث يؤول للابن البكر فقط، أو من يتسلم قيادة الأسرة إذا كان الابن البكر ضعيفـــًا أو عاجزًا، أو يوجد من هو أصلح منه لقيادة الأسرة، وانتشر التبني بصورة كبيرة، حتى قيل إن نسبة اثنين وعشرين بالمائة من أبناء الساموراي كانوا أبناء بالتبني).

أما المعابد العائلية (المحلية) الخاصة بالعائلات، فقد انضم إليها أبناء التبني؛ لأنهم يصبحون بعد التبني لهم نفس الحقوق والواجبات التي على بقية أفراد العائلة وتم تقسيم المعابد في اليابان إلى خمسة أقسام، الأول: المعابد التي يديرها كهنة الشنتوية، والثاني: المعابد التي يديرها كهنة البوذية، والثالث: المعابد التي تديرها عائلة (المعابد المحلية)، الرابع: المعابد التي تقع تحت النظام العام (مؤسسة المعابد)، الخامس: المعابد التي يديرها فرد واحد.

(فالفرع الأول تحت سيطرة أسر أو عائلات كهنة الشنتوية، وهذا النوع يذهب إليه القرويون، لكن الإدارة الأساسية في المعبد هي لكهنة الشنتوية، أما النوع الثاني فهو ملكية خاصة للبوذية وتقع تحت إشراف كهنة البوذية، والنوع الثالث تديره القرية أو العائلات المحلية، ويقوم بخدمته كاهن من الشنتوية، والنوع الرابع مرتبط بالمؤسسة العامة التي كانت تشرف على المعابد، ويمكن أن يكون الكاهن في هذا النوع بالانتخاب، والنوع الخامس يديره شخص وفي الغالب هو الذي قام ببنائه).

(وخلال هذه الفترة (فترة إيدو) انتشرت أيضـًا الاحتفالات بالزهور، وخصوصـًا زهور الكرز حيث انتشرت ممارسة إقامة حفلات عرض الأزهار بين عامة الشعب، وإلى جانب زهور الكرز هناك زهر الخدج الياباني (الأرم) والفيوجي (الوستارية وهي زهرة عنقودية لونها أبيض أو أزرق أو أرجواني)، والهازو (زهرة اللوتس) من الأزهار الشائعة للعرض أيضــًا).

وبالنسبة للمرأة خلال فترة إيدو:

(ظهر التمييز ضد المرأة وخصوصـًا بعد شيوع الأسرة الأبوية في عصري نارا وهيان، والعمل بمبادئ الكونفوشيوسية ففيها جرى حرمان النساء من تقلد مناصب الدولة، ويعتبر عصر توكوغاوا عصرًا نموذجيـــًا لتطبيق تعاليم الكونفوشيوسية سواء على صعيد المؤسسات السياسية أو التنظيم الاجتماعي، وكونفوشيوس اعتبر طاعة المرأة لزوجها وإخلاصها له من أسباب استقرار المجتمع وانسجامه، ومن ثم وضعت التعاليم الكونفوشيوسية المرأة في أسفل تراتب الأسرة، سواء في بيت أبيها أو بيت زوجها، وقد صدر مؤلف في القرن الثامن عشر في عام ستة عشر وسبعمائة وألف ميلاديــًا (1716م) تحت عنوان (أونا دياغاكو) المعرفة الكبرى للنساء – كتبه أحد أساتذة الفكر الكونفوشيوسي، والمطلوب من المرأة حسب هذه التعليمات التي وردت في الكتاب أن تكون مطيعة في جميع الأوقات والمواقع، مطيعة لوالدها وأخوتها الذكور، ومطيعة لزوجها وأقاربه، وتنظر إلى زوجها على أنه سيدها).

وعلى ذلك أصبح وضع المرأة في المجتمع خلال هذه الفترة وبسبب الكونفوشيوسية ومبادئها وضعــًا سيئــــًا، حرمت من حقها في الميراث، ويجب عليها الطاعة المطلقة في كل الأحوال.

وظهرت في عصر توكوغاوا الطبقات، فقد تم تصنيف المجتمع في عدة طبقات، والتي لم تكن موجودة قبل ذلك، حيث وضعت هذه الطبقات الفئة الحاكمة في ذلك الوقت بصورة واضحة، وتم تنظيم الطبقات رسميــًا، والسبب في ظهور تلك الطبقات هو التأثر الشديد بالكونفوشيوسية.

(ارتفعت قيمة التراتيب في عصر توكوغاوا بسبب التبني الرسمي للقيم الكونفوشيوسية، فبناء على هذا التبني والتطورات التي عرفها المجتمع الياباني في أواخر القرن السادس عشر، أضحى المجتمع الياباني مرتبــًا ضمن فئات لكل منها وضعها القانوني واعتبارها الخاص، فالمجتمع الياباني في هذا العصر كان مرتبــًا على نحو هرمي: يتربع على قمته الإمبراطور والأسرة الإمبراطورية، يليهما مبدئيــًا نبلاء البلاط، ثم فئة الساموراي التي كانت في واقع الأمر الشريحة العليا ذات النفوذ الفعلي، وتحت هذه الشرائح تأتي الشريحة الكبرى للعامة التي كانت مرتبة ضمن فئات فرعية بحسب المهن والحرف التي يراعي في ترتيبها القيمة الممنوحة لها في التعاليم الكونفوشيوسية: الفلاحون ثم الصناع والحرفيون وأخيرًا التجار في أدنى سلم الترتيب وخارج هذا التصنيف كانت فئة المنبوذين).

(وانتشرت طقوس شرب الشاي وشعائرها خلال فترة إيدو).

وبصفة عامة فإن التعليم والأخلاق المنتشرة، حتى المؤسسات الحكومية، والسياسة، كلها كانت متأثرة بالكونفوشيوسية، فدخلت تعاليم ومبادئ كونفوشيوس في التعليم، وأصبحت الدولة تدعم الكونفوشيوسية، حتى إن الشنتوية والبوذية كلاهما كانا يحاولان أن يتمازجا مع الكونفوشيوسية حتى يحصلا على الدعم من الدولة.

وكما تأثرت الشنتوية بالبوذية عند دخول البوذية اليابان في القرن السادس الميلادي، وأثرت البوذية وطورت كثيرًا من أفكار وعقائد ومبادئ الشنتوية، فإن فترة توكوغاوا – الأيدو- تأثرت فيها الشنتوية بالكونفوشيوسية، حتى صارت الأخلاق الشنتوية مقتبسة من الكونفوشيوسية، بل وتأثر المجتمع الياباني مباشرة خلال هذه الفترة بالكونفوشيوسية، سواء في نظام الأسرة، أو في التراتب (الطبقات) الذي أصبح رسميــًا خلال فترة (إيدو) أو حتى المرأة، حيث تعتبر فترة “إيدو” هى الفترة التي ظلمت فيها المرأة أكثر من أي عصر من عصور اليابان.

وخلال هذه الفترة انتشرت أيضـًا الطهارة، سواء الطهارة الروحية – المعنوية – أو الطهارة الحسية. وتم ممارسة الطهارة الطقوسية و(هاري ميسوحي).

وما زال تأثر الشعب الياباني بالكونفوشيوسية مستمرًا إلى اليوم، رغم أن الكونفوشيوسية ليس لها أتباع هناك.

        (والأمر الواضح تمامــًا اليوم هو أن اليابانيين المعاصرين ليسوا كونفوشيوسيين بالمعنى الذي كان عليه أجدادهم في عصر توكوغاوا، وإن كانت القيم الأخلاقية الكونفوشيوسية ما زالت راسخة في أذهانهم، ولا شك أن الكونفوشيوسية لها تأثير على اليابانيين أكثر من تأثير أي ديانات تقليدية أو فلسفات أخرى. وأي مناقشة اليوم حول الديانات اليابانية تتخطى هذه النقطة تصبح مناقشة خادعة إلى حد كبير، فما زالت الكونفوشيوسية تكمن تحت السطح، حيث تتمثل في الاعتقاد بأساس الحكومة الأخلاقي ، والتركيز على العلاقات المتداخلة بين الأفراد، والولاء للحكام والآباء، والإيمان بالتعليم والعمل الشاق، وهذه الاعتقادات الراسخة هي التي تقف وراء تقبل الياباني الشديد والمخلص للعلم الحديث، وللمفاهيم العصرية للتقدم والنمو ، ولمبادئ الأخلاق العالية، فإذا كان المواطن الياباني اليوم لا يعتبر نفسه كونفوشيوسيــًا على الإطلاق، إلا أننا نجد أن اليابانيين جميعــًا بصورة أو بأخرى كونفوشيوسيون تقريبــًا).

الكاتب: الدكتور أحمد رمضان

لمراجعة ما سبق من مراحل التطور أضغط بالأسفل:

التطور التاريخي للشنتوية في بلاد الوقواق (اليابان) (1) فترة جومون ويايوئي

التطور التاريخي للشنتوية في بلاد الوقواق (اليابان) (2) فترة المدافن الكبرى

التطور التاريخي للشنتوية في بلاد الوقواق (اليابان) (3) فترة أسوكا وعهد نارا

التطور التاريخي للشنتوية في بلاد الوقواق (اليابان) (4) فترة نارا

التطور التاريخي للشنتوية في بلاد الوقواق (اليابان) (5) فترة هيان

التطور التاريخي للشنتوية في بلاد الوقواق (اليابان) (6) فترة كاماكورا

التطور التاريخي للشنتوية في بلاد الوقواق (اليابان) (7) فترة موروماتشي

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*