<
الرئيسية » مقالات » أسباب انتشار الشنتوية في اليابان
الدكتور أحمد رمضان

أسباب انتشار الشنتوية في اليابان

أسباب انتشار الشنتوية في بلاد الوقواق

        الشنتوية ديانة إقليمية، حيث إنها لم تخرج من اليابان على الإطلاق، وليس لها أتباع في أي مكان في العالم، ماعدا الجاليات اليابانية التي تعيش في أماكن مختلفة من دول العالم.

        وعلى ذلك فإن انتشار الشنتوية لم يكن إلا في اليابان وحدها، فهي ذات طابع ياباني خالص، وهو ما جعلها ديانة إقليمية، فهي مرتبطة بالأرض اليابانية، وبالجبال وغيرها من مظاهر الطبيعة.

        والياباني قديمـًا كان يتصور أن العالم صغير جدًا، وأنهم وحدهم الذين يعيشون في هذا العالم، وأن جزرهم وحدها هي الموجودة في العالم، وأنها أبناء الآلهة؛ لأن خلقها – حسب اعتقادهم – كان بالتزاوج بين الآلهة!!.

        وانتشرت الشنتوية قديمــًا في جميع أنحاء اليابان، واعتقد بها الشعب الياباني، وأصبحت هي الديانة الرسمية لليابانيين قديمـًا، حتى دخول الكونفوشيوسية والبوذية، حيث نازعت كل من الديانتين الشنتوية في الحصول علي السلطة في مراحل التاريخ المختلفة في اليابان، فبعض الحكام جعلوا الشنتوية الدين الرسمي للدولة، وبعضهم جعل الكونفوشيوسية هي الدين الرسمي، أما البوذية فقد لاقت دعمـًا كبيرًا خصوصـًا من طبقة الحكام الشوجن التي حكمت اليابان لفترات طويلة، ولذلك اعتمدت طبقة الشوجن البوذية ديانة رسمية لليابان، حتى عصر ميجي الذي استطاع أن يرجع الحكم مرة أخري للإمبراطور، ومن ثم جعل الشنتوية هي الدين الرسمي لليابان.

        وهناك عدة عوامل ساعدت على انتشار الشنتوية في اليابان، وهي كثيرة من أهمها:

عدم وجود عقيدة منافسة للشنتوية قبل دخول البوذية والكونفوشيوسية:

        عدم وجود عقيدة قوية منافسة للشنتوية، ساعد على انتشار الشنتوية في المجتمع الياباني، فخلال العصور القديمة – حسب ما ورد للباحثين من معلومات – لم يكن هناك عقيدة أخرى في اليابان غير الشنتوية، ومن ثم لم تجد تنافـسـًا من ديانة أخرى أو عقيدة أخرى، فكان انتشارهـا سهلاً وسريعـًا في اليابان.

        وما أدل على ذلك عند دخول البوذية إلى اليابان في القرن السادس لاقت رواجـًا كبيـرًا بين الشعب الياباني، ولم يجد الياباني حرجـًا في أن يعتقد بالبوذية بجوار الشنتوية؛ لأنه من وجهة نظره لم يجد اختلافـــًا كبيرًا بينهما.

        ولو وجد الشعب الياباني قديمـًا عقيدة قوية لاختفت الشنتوية تمامـًا، فلو وصل الإسلام إلى اليابان في العصور الأولى للإسلام، لكان الوضع مختلفـًا الآن؛ لأن الإسلام لم يصل اليابان إلا متأخـرًا، ولذلك فإن أتباعه اليوم في اليابان قلة قليلة.

مساندة الأباطرة لها وتبنيهم ترويجها:

        من أهم العوامل التي ساعدت على انتشار الشنتوية في اليابان هم الأباطرة، فالإمبراطور كانت بغيته وهدفه توطيد أواصر حكمه في البلاد، فلم يجد أفضل من الشنتوية لتدعيم حكمه، وإلقاء هالة من القداسة عليه، وعلى حكمه للبلاد، فلا يمكن الخروج عليه، أو منافسته، وإلا هبَ الشعب الياباني في وجه أي معتد عليه، ولم لا وهو حفيد إلهة الشمس “أماتيراس” وهو إله من وجهة نظرهم.

        فحسب الأساطير اليابانية القديمة، أن من أسس الإمبراطورية اليابانية هو الإمبراطور جيمو سنة ستين وستمائة قبل الميلاد (660ق.م)، وجيمو هو شخصية أسطورية وردت في الكتب المقدسة للشنتوية، وهو حفيد الإلهة الكبرى عندهم ” أماتيراس” إلهة الشمس، ومن ثم – في اعتقادهم – أن الإمبراطور أصله سماوي (إلهي)، واستغل الأباطرة هذه النقطة وروجوا لها وعضدوها وساعدوا على انتشارهـا وتأكيدها للشعب الياباني.

        وهكذا وجد الأباطرة في الشنتوية توطيدًا لحكمهم، وإلزامـــًا للشعب بطاعتهم، ولذلك حافظوا عليها من الضياع، وساعدوا على انتشارها، بل كانوا يمدونها بالمال، وببناء المعابد، فكل إمبراطور يصعد للحكم يؤكد على أهمية الشنتوية، وأن أصلها سماوي من صنع الآلهة، وعندما تولى الشوجن الحكم في اليابان أعطوا للشنتوية ظهورهم؛ لأنهم يعرفون أن الشنتوي لا يؤمن إلا بالإمبراطور حفيد الآلهة، ولذلك عندما استولوا على الحكم أخذوا توكيلاً من الإمبراطور لإدارة أمور البلاد، حتى يأخذوا قدرًا من الشرعية عند الشعب الياباني.

        ويعد الإمبراطور “ميجي” من أهم أباطرة اليابان الذي تولى الحكم عام 1868م، واستطاع أن يقضي تمامـًا مع حكم الشوجن، وعاد بالحكم مرة أخرى للإمبراطور، ولذلك عندما تولى حكم اليابان، أول شيء فعله أنه اعتمد الشنتوية دينـًا رسميـًا للبلاد، وعضد فكرة أن الإمبراطور حفيد الآلهة، وساعده ذلك كثيرا في إدارة أمور البلاد، ولم يكتف بذلك بل ساعد الشنتوية وساعد رهبانها، وجعل جزءًا للشنتوية ومعابدها ورهبانها من الميزانية العامة للدولة، لأنه أراد أن يرجع إلى أجداده الذين دعموا الشنتوية من أجل تدعيم حكمهم للبلاد.

علماء الشنتوية ورهبانها:

        فإذا لم يكن للشنتوية مؤسس، فإن علماءها ورهبانها كان لهم دور بارز بمساعدة الإمبراطور في نشر تعاليمها وطقوسها، وكان الراهب الشنتوي يمثل أهمية بالغة في الشنتوية، وعنده تجتمع القرابين التي يقدمها الشنتيويون في المعابد.

        كما كان لهم دور بارز عند دخول البوذية إلى اليابان، فدخول البوذية كان نقطة فارقة في تاريخ الشنتوية، فالشعب الياباني تشرب عقائد ومبادئ البوذية، وعند ذلك شعر علماء الشنتوية بالخوف عليها من الضياع والاضمحلال، وخصوصـًا أنها في ذلك العصر لم يكن لها “اسم”، فأطلقوا عليها “شنتو” وهي بداية تسمية هذه الديانة في اليابان، واستمر ذلك الوضع بالنسبة لعلماء الشنتوية في مختلف العصور، فحاولوا وضع عقائدها وأفكارها ومبادئها وطقوسها تمييزًا لها عن البوذية، وتنقية لها مما اختلط بها من أفكار ليست منها.

الشعب الياباني:

        وإذا كان الإمبراطور يحاول توطيد أواصر حكمه من خلال الشنتوية، واستفاد الرهبان من العطايا والقرابين سواء من الحاكم أو من الشعب، فإن الشعب الياباني هو من أهم العوامل التي ساعدت على انتشار الشنتوية بدون قصد؛ لأنهم شعروا أن الشنتوية هي تراثهم وتراث أجدادهم، ولذلك حافظوا عليها من الضياع بممارسة طقوسها والتردد على المعابد الشنتوية، ونقلوها من جيل إلى جيل عبر ممارسة طقوسها، والمحافظة على العادات القديمة، ولذلك فإن الشعب الياباني يعتبر الشنتوية هي العادات والتقاليد القديمة، التي يجب المحافظة عليها، فهي تتغلل في الشعب الياباني؛ لأنهم منذ نعومة أظفارهم كانوا يذهبون إلى المعبد، ويجد الطفل الصغير في منزله رف الآلهة ويجد آباءه ينحنون في احترام لآلهة الشنتوية فقلدهم، وعندما يكبر هو من يعلم أبناءه احترام آلهة الشنتوية.

        فتجد أن الزواج إلى اليوم يتم على أساس الشنتوية وفي معابد الشنتوية، وذلك لكل الأديان الجديدة والقديمة؛ لأنها تراثهم وتراث أجدادهم، وأصبحت عادات وتقاليد هامة عندهم.

عزلة اليابان:

        إذا كان الياباني عاش بمعزل عن العام الخارجي حتى القرن الرابع الميلادي، فلم يتعرف على عقائدهم وأفكارهم، ولذلك لم يجد الشعب الياباني أمامه خيارًا أو اختيـارًا، فهو لا يرى إلا الشنتوية ولا يعرف غيرها، وهو ما توارثه عن الأجداد.

        ولذلك لم يجد الياباني أمامه طريقـًا آخر يسير فيه، أو فكرًا آخر يبحث عنه، فانتشرت بسهولة ويسر في المجتمع الياباني بأسره.

الكتب المقدسة:

        الكتب المقدسة للشنتوية، أكدت على أصلهم السماوي، وقدسية أرضهم أيضـًا، كما أكدت أن إمبراطورهم حفيد الآلهة، ومن ثم أصبحت هذه الكتب هي الدعامة الأساسية لاستمرار فكرهم وعقائدهم وممارستها في كل وقت.

        وتعد هذه هي أهم الأسباب التي ساعدت على انتشارها في المجتمع الياباني بأكمله.

الكاتب الباحث المتخصص في اليابان الدكتور أحمد رمضان.

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*